كتب على غزة أن تتحول إلى متحف للكارثة على يديّ معماريي الدمار الإسرائيلي ضمن مسلسل التدمير المتواصل الذي بدأ بتدمير أربعماية قرية ومدينة، لا تزال آثارها قائمة، وحتى آخر جولة لا يزال سلاح الجو الإسرائيلي يقوم بعمليات التشطيبط والتخريب فيها. يؤم هذا المتحف برلمانيون وساسة ومثقفون ومهنيون وإعلاميون من كافة أنحاء العالم. وبغض النظر عما يغض الطرف عنه هؤلاء الزائرون، فقد أضحى الأطفال رموز هذا المتحف، بالرغم من أن معماريي الدمار الإسرائيلي لم يخططوا لذلك.
عمليا ما يحدث اليوم هنا هو إعادة اكتشاف غزة وإعادة إنتاج للمشهد، وكأن غزة لم تكن سوى الزائدة الدودية لهذا العالم المفرط في تحضره، وكأن عملية بناء المتحف لا تكتمل، إلا من خلال الحصار الإسرائيلي عليها ومنع كل مكونات الحياة عنها.
مسلسل حدث ويحدث، وكأن إسرائيل لم تدر ظهرها لغزة حسب الخطاب الإسرائيلي من خلال انفصال أحادي الجانب دونكيشوتيّ الطابع، كما اعتادت إسرائيل أن تنسق مع نفسها، ليس لأن ما من شريك فلسطينيّ هناك للتنسيق معه! فخرجت منها واعتبرتها خارج حساباتها السياسية والجغرافية، وكأنها تحقق بذلك أمنية رابين، الذي تمنى أن يصحو ذات صباح وغزة "بح"...
واليوم أيضا يتم التعاطي مع الحوار الوطني الشامل، كما نتعامل مع بورصة في بازار مكشوف، وفي الطلعة كتروا الاحباب، وفي النزلة كلهم هربو!!. كثر الحديث عن الحوار والتحاور الوطني وبات الحديث بين الناس يقفز في الهواء وفي فراغ إذا أردتم، حين عادت عناوين النقاش (بل الملهاة المكروهة) في جلسات الحديث الشعبي حول شكل الحكومة القادمة، وبات البعض يسمي ويستثني ويوزع وزارات، كما لو كانت بطاقات مؤن، وبات البعض يتبادل التهاني على قاعدة (رجعت أيام عزك يا أبو فلان، يدوم عزك يا ابو العز، العز بيلبق لأصحابه). ولكن أي عز هذا وحال الوطن اليوم يعزّ حتى على الكافر، كما يقول المثل؟!
اليوم أيضا ترفع قواعد القطاع الخاص الفلسطيني من أصحاب المنشأت الصغيرة والمتوسطة صوتها عاليا لتحكي عن الأضرارها المنظورة وغير المنظورة التي لحقت بها بشكل تراكمي منذ العام 2002 نتيجة للاجتياحات المتكررة للمدن والحصار والاستيراد، ليس فقط غير المنظم، ولكن المدمر، وعدم منح منتجاتهم الأفضلية. هؤلاء غاب صوتهم عن مؤتمرات فلسطين للاسثمار من بيت لحم إلى نابلس إلى ملتقى لندن، هؤلاء ذاتهم كانوا في بداية التسعينات ما قبل السلطة الوطنية الفلسطينية منتجات واعدة تم التركيز عليها ضمن برامج خاصة للتصدير في قطاعات المنسوجات والألبسة، والجلود والأحذية، والاثاث الخشبي والمعدني. هؤلاء اليوم بات عليهم إخلاء اماكنهم لمستوردات يخجل أصحاب الكونتينيرات القادمة عبر اشدود من حتى وضع أسماء باللغة العربية على أبواب محلاتهم!؟
باختصار المشهد الفلسطيني اليوم يعيدنا إلى المربع الأول، وكأنك يا ابو زيد ما غزيت. ما من شك في أن الاحتلال يتحكم بتفاصيل حياتنا اليومية بالمحرك عن بعد، سواء بالعدوان على غزة وحصارها المتواصل، ومنع مواد باتت أولوية في عملية إعادة الأعمار، إلى تقويض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية عبر الاستيطان والجدار وتحويل الوطن إلى كانتونات معزولة.
وضمن المشهد الفلسطيني اليوم نتنافس على الإغاثة والإعاشة والإنعاش والأيواء في غزة .... نتفنن في تفقيع يعضنا البعض بخصوص حكومة وحدة وطنية أو كفاءات أو تكنوقراط، ونحن خير من تفنن في إطلاق التسميات والمسميات والأسماء.
يواصل المجتمع الدولي ممارسة رياضة المارثون الخاصة بالصمت على ما يحدث ومنذ ستين عاما، بل يغض الطرف، ومع سبق الإصرار والترصد، على ما يحدث في غزة من قبل إسرائيل بصورة، يرسمها الإعلام العالمي، وكأن حادثا فظيعا قد وقع ولا بد من الاسعاف والهرولة بمؤن إلى غزة. فالمسرح معد دائما لذلك، وقد يتغيّر بعض الممثلين، إلا أن نص المسرحية لا يتغير، وكأنهم لا يجدون أفضل منه!
أما أن القدرات العربية باتت غائبة، فالعذر كل العذر، أليست هناك حربا عربية باردة؟
شخصيا لم أعد قادرا على التركيز مع توالي عرض الأرقام في موضوع غزة على صعيد الإيواء والإعاشة والإغاثة والمساعدات الاجتماعية وتمكين القطاع الخاص وإعادة شبكات المياه والكهرباء إلى العمل. بت أمقت لغة الأرقام سواء منها أرقام النفقات الجارية في الموازنة، أو أرقام إعادة الأعمار التي باتت سرا، على ما يبدو مصيريا.
التفكير اليوم بأي نشاط تنموي تجد الجواب فورا عبر جهاز الرد الآلي وتقليعة مديري المكاتب وكاتمي السر وحاملي الأختام، والتي عادت للرواج بصورة كبيرة في الأيام الأخيرة. فنحن مشغولون في غزة وما أدراك ما غزة. أما الأمور الأخرى، فما أسهل من رسالة قصيرة تعيد الوطن إلى نطاق التغطية!
المطلوب إعادة ترتيب أولوياتنا
كما نتفنن في كتابة مقترح لمشروع، أو ورقة موقف، أو ورقة محفزة للتفكير، علينا أن نتقن إعادة ترتيب أولوياتنا بصورة ممنهجة ومقبولة وضمن برنامج مرجعي وطني واضح ومجمع عليه.
رأس الهرم في أولوياتنا، التي باتت معيارا لوطنية المتعاطين معها أو المؤثرين فيها من لاعبين أساسيين هو إنهاء الانقسام فورا عبر الحوار الوطني الشامل على قاعدة المصلحة الوطنية العليا. وأقول هنا أن أهل مكة أدرى بشعابها، ونبض الرأي العام الفلسطيني تعكسه مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية التي حملت المشروع الوطني على أكتافها على مر الأعوام، وهذا يجب أن يكون واضحا أنه ليس ورشة عصف ذهني ولا مشروع تنمية موارد مالية أو مزيد من المطبوعات المزركشة من أجل الدعوة للحوار والوحدة الوطنية. من المهم التركيز على أدوات تنفيذ هذه المهمة الوطنية على صعيد التوجيه والقيادة والتنفيذ والمتابعة، بحيث تعود منظمة التحرير الفلسطينية مايسترو هذا التحرك ومظلته وليس مؤسسات تفكير أو تخطيط أو دراسات.
المطلوب العودة للتأكيد والأعلان عن حق شعبنا بأقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس ضمن حدود الرابع من حزيران 1967، ووقف الاستيطان وإزالة المستوطنات وترحيل المستوطنين، وإزالة جدار الفصل والعزل، وتعزيز الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير والتجمع والتفكير وحرية الصحافة والعودة لروح وثيقة الاستقلال الفلسطينية.
يجب النظر إلى موضوع إعادة إعمار غزة كجزء من التوجه الوطني والتنموي العام بعيدا عن تسييس هذا الملف وطرح وضرب وقسمة الأرقام.
المطلوب إعادة مكانة فتح القيادة والتصاقها بالبعد الشعبي وقواعدها التنظيمية التي باتت بعيدة عن رأس الهرم فيها، بإعادة ضخ الدم في شرايينها وإعادة الاعتبار لدور القيادات الشابة. وليس المقصود هنا عمريا بل المقصود الشبوبية فكريا ونهجا وتناغما مع القواعد التنظيمية. المطلوب إعادة صياغة برامجها الاقتصادية والتنموية والإعلامية والاجتماعية والشبيبة والعمالية والفكرية.
سأكرر نفسي والتكرار يفيد الشطار ومن لم يعتبر من الخطأ سيظل في دائرة الخوف المرضي من المستقبل. حتى نستعيد مكانة واعتبار الرأي العام الفلسطيني، يجب أن تضخ له المعلومات ليكون مصدر القرار، بعد استشعار رأيه وتوجهاته.
عمليا ما يحدث اليوم هنا هو إعادة اكتشاف غزة وإعادة إنتاج للمشهد، وكأن غزة لم تكن سوى الزائدة الدودية لهذا العالم المفرط في تحضره، وكأن عملية بناء المتحف لا تكتمل، إلا من خلال الحصار الإسرائيلي عليها ومنع كل مكونات الحياة عنها.
مسلسل حدث ويحدث، وكأن إسرائيل لم تدر ظهرها لغزة حسب الخطاب الإسرائيلي من خلال انفصال أحادي الجانب دونكيشوتيّ الطابع، كما اعتادت إسرائيل أن تنسق مع نفسها، ليس لأن ما من شريك فلسطينيّ هناك للتنسيق معه! فخرجت منها واعتبرتها خارج حساباتها السياسية والجغرافية، وكأنها تحقق بذلك أمنية رابين، الذي تمنى أن يصحو ذات صباح وغزة "بح"...
واليوم أيضا يتم التعاطي مع الحوار الوطني الشامل، كما نتعامل مع بورصة في بازار مكشوف، وفي الطلعة كتروا الاحباب، وفي النزلة كلهم هربو!!. كثر الحديث عن الحوار والتحاور الوطني وبات الحديث بين الناس يقفز في الهواء وفي فراغ إذا أردتم، حين عادت عناوين النقاش (بل الملهاة المكروهة) في جلسات الحديث الشعبي حول شكل الحكومة القادمة، وبات البعض يسمي ويستثني ويوزع وزارات، كما لو كانت بطاقات مؤن، وبات البعض يتبادل التهاني على قاعدة (رجعت أيام عزك يا أبو فلان، يدوم عزك يا ابو العز، العز بيلبق لأصحابه). ولكن أي عز هذا وحال الوطن اليوم يعزّ حتى على الكافر، كما يقول المثل؟!
اليوم أيضا ترفع قواعد القطاع الخاص الفلسطيني من أصحاب المنشأت الصغيرة والمتوسطة صوتها عاليا لتحكي عن الأضرارها المنظورة وغير المنظورة التي لحقت بها بشكل تراكمي منذ العام 2002 نتيجة للاجتياحات المتكررة للمدن والحصار والاستيراد، ليس فقط غير المنظم، ولكن المدمر، وعدم منح منتجاتهم الأفضلية. هؤلاء غاب صوتهم عن مؤتمرات فلسطين للاسثمار من بيت لحم إلى نابلس إلى ملتقى لندن، هؤلاء ذاتهم كانوا في بداية التسعينات ما قبل السلطة الوطنية الفلسطينية منتجات واعدة تم التركيز عليها ضمن برامج خاصة للتصدير في قطاعات المنسوجات والألبسة، والجلود والأحذية، والاثاث الخشبي والمعدني. هؤلاء اليوم بات عليهم إخلاء اماكنهم لمستوردات يخجل أصحاب الكونتينيرات القادمة عبر اشدود من حتى وضع أسماء باللغة العربية على أبواب محلاتهم!؟
باختصار المشهد الفلسطيني اليوم يعيدنا إلى المربع الأول، وكأنك يا ابو زيد ما غزيت. ما من شك في أن الاحتلال يتحكم بتفاصيل حياتنا اليومية بالمحرك عن بعد، سواء بالعدوان على غزة وحصارها المتواصل، ومنع مواد باتت أولوية في عملية إعادة الأعمار، إلى تقويض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية عبر الاستيطان والجدار وتحويل الوطن إلى كانتونات معزولة.
وضمن المشهد الفلسطيني اليوم نتنافس على الإغاثة والإعاشة والإنعاش والأيواء في غزة .... نتفنن في تفقيع يعضنا البعض بخصوص حكومة وحدة وطنية أو كفاءات أو تكنوقراط، ونحن خير من تفنن في إطلاق التسميات والمسميات والأسماء.
يواصل المجتمع الدولي ممارسة رياضة المارثون الخاصة بالصمت على ما يحدث ومنذ ستين عاما، بل يغض الطرف، ومع سبق الإصرار والترصد، على ما يحدث في غزة من قبل إسرائيل بصورة، يرسمها الإعلام العالمي، وكأن حادثا فظيعا قد وقع ولا بد من الاسعاف والهرولة بمؤن إلى غزة. فالمسرح معد دائما لذلك، وقد يتغيّر بعض الممثلين، إلا أن نص المسرحية لا يتغير، وكأنهم لا يجدون أفضل منه!
أما أن القدرات العربية باتت غائبة، فالعذر كل العذر، أليست هناك حربا عربية باردة؟
شخصيا لم أعد قادرا على التركيز مع توالي عرض الأرقام في موضوع غزة على صعيد الإيواء والإعاشة والإغاثة والمساعدات الاجتماعية وتمكين القطاع الخاص وإعادة شبكات المياه والكهرباء إلى العمل. بت أمقت لغة الأرقام سواء منها أرقام النفقات الجارية في الموازنة، أو أرقام إعادة الأعمار التي باتت سرا، على ما يبدو مصيريا.
التفكير اليوم بأي نشاط تنموي تجد الجواب فورا عبر جهاز الرد الآلي وتقليعة مديري المكاتب وكاتمي السر وحاملي الأختام، والتي عادت للرواج بصورة كبيرة في الأيام الأخيرة. فنحن مشغولون في غزة وما أدراك ما غزة. أما الأمور الأخرى، فما أسهل من رسالة قصيرة تعيد الوطن إلى نطاق التغطية!
المطلوب إعادة ترتيب أولوياتنا
كما نتفنن في كتابة مقترح لمشروع، أو ورقة موقف، أو ورقة محفزة للتفكير، علينا أن نتقن إعادة ترتيب أولوياتنا بصورة ممنهجة ومقبولة وضمن برنامج مرجعي وطني واضح ومجمع عليه.
رأس الهرم في أولوياتنا، التي باتت معيارا لوطنية المتعاطين معها أو المؤثرين فيها من لاعبين أساسيين هو إنهاء الانقسام فورا عبر الحوار الوطني الشامل على قاعدة المصلحة الوطنية العليا. وأقول هنا أن أهل مكة أدرى بشعابها، ونبض الرأي العام الفلسطيني تعكسه مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية التي حملت المشروع الوطني على أكتافها على مر الأعوام، وهذا يجب أن يكون واضحا أنه ليس ورشة عصف ذهني ولا مشروع تنمية موارد مالية أو مزيد من المطبوعات المزركشة من أجل الدعوة للحوار والوحدة الوطنية. من المهم التركيز على أدوات تنفيذ هذه المهمة الوطنية على صعيد التوجيه والقيادة والتنفيذ والمتابعة، بحيث تعود منظمة التحرير الفلسطينية مايسترو هذا التحرك ومظلته وليس مؤسسات تفكير أو تخطيط أو دراسات.
المطلوب العودة للتأكيد والأعلان عن حق شعبنا بأقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس ضمن حدود الرابع من حزيران 1967، ووقف الاستيطان وإزالة المستوطنات وترحيل المستوطنين، وإزالة جدار الفصل والعزل، وتعزيز الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير والتجمع والتفكير وحرية الصحافة والعودة لروح وثيقة الاستقلال الفلسطينية.
يجب النظر إلى موضوع إعادة إعمار غزة كجزء من التوجه الوطني والتنموي العام بعيدا عن تسييس هذا الملف وطرح وضرب وقسمة الأرقام.
المطلوب إعادة مكانة فتح القيادة والتصاقها بالبعد الشعبي وقواعدها التنظيمية التي باتت بعيدة عن رأس الهرم فيها، بإعادة ضخ الدم في شرايينها وإعادة الاعتبار لدور القيادات الشابة. وليس المقصود هنا عمريا بل المقصود الشبوبية فكريا ونهجا وتناغما مع القواعد التنظيمية. المطلوب إعادة صياغة برامجها الاقتصادية والتنموية والإعلامية والاجتماعية والشبيبة والعمالية والفكرية.
سأكرر نفسي والتكرار يفيد الشطار ومن لم يعتبر من الخطأ سيظل في دائرة الخوف المرضي من المستقبل. حتى نستعيد مكانة واعتبار الرأي العام الفلسطيني، يجب أن تضخ له المعلومات ليكون مصدر القرار، بعد استشعار رأيه وتوجهاته.
تعليقات